الثلاثاء، 1 نوفمبر 2016

أحداث قفصة 2 القلب النابض




كلنا يعلم تفاصيل أحداث قفصة 1980 والكثير من أبناء الجنوب وخاصة مدينة قفصة لا يزال متعلق بتلك الاحداث ويستغرب من فشل تلك العملية وبالتحديد الاستغراب من ردة فعل سكان مدينة قفصة التي اشتهرت تاريخيا بالثورات ومقاومة المستعمر وتحدي الأنظمة الظالمة والمستبدة ومدى عدائها للاستعمار الفرنسي حيث حارب ثوار قفصة المستعمر الفرنسي قبل دخوله الى تونس وكانوا اول المدافعين على استقلال تونس عن طريق مد يد العون الى الجزائر عبر جبال قفصة الممتدة الى الجزائر  وبهذا كان سكان قفصة اول من واجه المستعمر ولبثوا على ذلك حتى خرج الفرنسيون من تونس ثم بعد ذلك يستأثر أبناء الشمال بالمناصب المهمة في الحكومة من دون أبناء الجنوب هذا بعد الاستقلال. ففي ذلك الزمن اتضحت الرؤية لكل التونسيين بأن الرئيس الحبيب بورقيبة ليس كما ظنوه معارضا للاستعمار مدافعا عن الوطن، حيث اكتشفوا انه عميل لفرنسا خاصة عندما قامت الأخيرة بتصفية كل معارضيه ومنهم فرحات حشاد وعرف الناس مدى تعطش بورقيبة للسلطة وكيف استغلها لمصالحه الشخصية واشباع غرور السلطة لديه وممارسة التمييز العنصري لصالح سكان الشمال وخاصة الساحل التونسي وبالتحديد مسقط رأسه مدينة المنستير التي كانت قبل توليه السلطة ريف لا علاقة له بالتمدن مقارنة بمدينة قفصة وقتها.
            سنبدأ بسرد أحداث قفصة 1980 وبإيجاز حتى نتمكن بعد ذلك من تحليل أسباب فشل هذه العملية والأسباب التي جعل هذه المجموعة تتخذ القرار بالإطاحة بنظام بورقيبة وقتها؟  وهل تكرار هذه العملية ممكن في زمننا هذا وخاصة مع اتساع الهوَة بين الشمال والجنوب التونسي؟ وهل نفس الطريقة ممكنة أم ان تغيَرات العصر ستفرض وسائل وأساليب أخرى وخاصة حيث نرى العديد من الحركات المطالبة بالانفصال في دول العالم المتخلف منها والمتقدم مثل بريطانيا واسبانيا حيث حل الاستفتاء الشعبي محل المقاومة المسلحة.

حيث قيل في بعض المقالات:
حدثت عملية قفصة في الليلة الفاصلة بين 26 و27 جانفي من سنة 1980 حيث تولى عدد من المسلحين قدّر عددهم بحوالي 60 مسلحا ينتمون جميعهم الى فصائل المعارضة التونسية ذات التوجهات القومية وآخرون ينتمون الى التيار اليوسفي في تونس الى الاستيلاء على المدينة قبل ان يوجهوا دعوتهم للأهالي للانضمام الى الثورة المسلحة والإطاحة بالنظام البورقيبي بعد ان جمعتهم الرغبة في تغيير الاوضاع في تونس بعد القمع الذي تعرضت له الحركة النقابية عام 1978.
وردت السلطة انذاك التي استنجدت بفرنسا بعنف كبير وتمكنت من السيطرة على المجموعة واعتقال معظم عناصرها الذين احيلوا على المحاكمة وتم الحكم حضوريا بإعدام 11 منهم ونفذ فيهم الحكم فجر 17 أفريل اي بعد العملية بـ 80 يوما فقط.
وعن أهداف هذه العملية بتحديد أدق قال وزير الداخلية 6.75كشريد: لقد كان الهدف من هذه العملية إحداث اضطرابات في البلاد وتضمنت الخطة أن يقوم المرتزقة، بعد إحكام سيطرتهم على قفصة واحتلال مراكز السلطة بالمدينة، إعلان حكومة وطلب تدخل ليبيا، التي كما ذكرت، أعدت طائرات ومعدات خصيصاً لهذا الغرض، وكانت تنتظر إشارة بنجاح المرحلة الأولى للتدخل، وقد اعترف المرتزقة خلال استجوابهم بهذه المعلومات وبأشياء أخرى سنعلن عنها في الوقت المناسب.
مساعدات فرنسية ومغربية
   وقال 6.75 فؤاد المبزع وزير الإعلام التونسي في تصريح خاص بالصياد: "إن التحقيقات أكدت تورط النظام الليبي، وكشفت عن مؤامرة خطيرة تستهدف إقامة حكومة مؤقتة كان من المقرر أن تعلن مباشرة بعد نجاح الخطة صباح يوم 28 كانون الثاني يناير الماضي، وتعمل على طلب مساعدات عاجلة من ليبيا. بعد أن أعدت عدداً من الطائرات الخاصة لنقل الأسلحة والأفراد من اجل استكمال الشق الثاني من المؤامرة.
   وأضاف وزير الإعلام: أمام هذا الموقف الخطر والذي يهدد استقلال بلادنا فقد طلبنا من فرنسا مساعدات عاجلة وحصلنا على هذه المساعدات العسكرية في حينها، كما أن المغرب الشقيق أرسل لنا مساعدات تضامنية تمثلت في طائرتين عموديتين وطائرة نقل.
ومن جهة أخرى أكدت كل من حركة الوحدة الشعبية لتحرير تونس المعارضة وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي يرأسها أحمد المستيري وحسيب بن عمار، المعارضة استنكارهما لهذا العدوان وطالبتا بإحداث تغييرات جذرية في الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الراهن في البلاد حتى لا تتكرر هذه المأساة.
   وعلمت الصياد أن سلطات الأمن التونسية ألقت القبض على 60 شخصاً متورطين في المؤامرة إلا أنهم لم يشاركوا في هذا العدوان، كما أن البحث يجري للقبض عن 7 أشخاص آخرين من قبل سلطات الأمن التونسية.
   وأكد 6.75 محمد الصياح بدوره للصياد: إن الحزب الاشتراكي الدستوري التونسي قرر القيام بحملة تضامن مع سكان قفصة وبتوعية الجماهير التونسية على خطر المؤامرة الموجهة ضد حرية واستقلال تونس. في حين لا تزال تونس حتى هذه اللحظة تعيش في حالة طوارئ قصوى ويسود التوتر الشديد على الحدود التونسية الليبية.
التحضير منذ 3 أشهر وروى مدير الأمن العام، "للصياد" ملابسات الاعتداء فقال: الاعتداء تم وفق خطة جرى الإعداد لها والتدرب على تنفيذها منذ ثلاثة أشهر في ليبيا، وأوكلت المهمة إلى عناصر هاربة من وجه العدالة التونسية والمرتزقة الذين عملوا لحساب القذافي في أوغندا وفي جنوب لبنان.
عوامل اختيار قفصة:
لقد ساعدت عدة عوامل على اختيار مدينة قفصة مكانا وزمانا، ولم يكن ذلك وليد الصدفة. فقفصة التي تبعد عن الحدود الجزائرية حوالي 100 كلم وعن الحدود الليبية قرابة 700 كلم، شكلت مركز استقطاب تاريخي لأغلب الحركات الرافضة للسلطة الحاكمة سواء كان ذلك أثناء الفترة الاستعمارية أو إبان فترة الحكم البورقيبي. فالمعروف لدينا أن قفصة بفضل مناجمها وما نشأ بالتوازي مع ذلك من حركة عمالية كانت من الفضاءات المبجلة للحركة النقابية المعروفة باسم “جامعة عموم العملة التونسيين” التي أسسها الزعيم النقابي “محمد علي الحامي”. وهي إحدى ملا ذات الحركة اليوسفية وجيش التحرير الشعبي الذي أسسه “الطاهر لسود” أو ما كان يطلق عليه “بورقيبة” تسمية “الفلاقة” الذين رفضوا تسليم أسلحتهم بعد توقيع اتفاقية الاستقلال الداخلي سنة 1955، وبرتوكول الاستقلال سنة 1956. كما كانت قفصة مركز دعم وتمويل وتسليح للثورة الجزائرية، قبل أن تكون المكان الذي اختارته مجموعة من العسكريين والمدنيين اليوسفيين للتخطيط وانطلاق “حركتهم الانقلابية” لسنة 1962. وهي بالإضافة إلى ذلك موطن “عز الدين الشريف” القائد السياسي لعملية قفصة وأحد أبرز وجوه المحاولة الانقلابية السالفة الذكر. كل هذه العوامل جعلت من قفصة موطنا لعدم الاستقرار السياسي فحظيت باختيار منفذي العملية المسلحة. تدعم ذلك ببعض المعطيات الأخرى لعل أبرزها قرب الحدود الجزائرية مما سهل توفير الأسلحة والقدرة على التسلل والانسحاب، وانتماء “عز الدين الشريف” القائد السياسي للعملية لجهة قفصة ساعد على إعطاء دور للعامل القبلي خاصة وأن عرش “أولاد عبد الكريم” الذي ينتمي إليه “الشريف” عرف عنه تمرده على السلطة المركزية أثناء حكم البايات بل وافتكاك المجبى من المحلة.
 بالتوازي مع كل ذلك شكلت قفصة مركزا للتأزم الاجتماعي بعد أن انعكست عليها نتائج الاختيارات التنموية الفاشلة لفترة السبعينات من القرن العشرين. إن ظاهرة البطالة المتنامية في قفصة ستدفع إلى بروز وعي عمالي ونقابي في الفضاءات المنجمية وإلى تنامي حركة الهجرة إلى ليبيا التي قدرت في حدود 51 بالمائة. لقد وجد منفذو العملية في هذه العوامل مجتمعة الأرضية المناسبة للاختيار المكاني والزماني، إن عملية قفصة في رأي منفذيها هي امتداد لرد فعل شعبي ساخط على الاختيارات الاقتصادية التي عمقت الفروق الاجتماعية وكرست الاستبداد السياسي، فهي في نهاية الأمر امتداد للانتفاضة العمالية التي عرفتها البلاد سنة 1978 إذا لم تكن إحياء لذكراها بالطريقة المناسبة.
من يقف وراء عملية قفصة ؟
منفذو العملية: بالرغم من انتماء منفذو العملية للجبهة القومية التقدمية ذات التوجه العروبي – اليوسفي، فإنه لم يتم التركيز على تلك الخلفية السياسية والاكتفاء بالنظر إلى تلك الأحداث على أنها من فعل “مكتب الاتصال الخارجي” أحد مؤسسات جهاز الاستخبارات الليبي الذي يحتل مكانة مرموقة لدى القيادة الليبية.

بعض الخصائص العامة: ينتمي ما يزيد عن 68 % من المشاركين في عملية قفصة إلى الفئة العمرية ما بين 20 و 30 سنة أما النسبة المتبقية فتتراوح أعمارهم ما بين 31 و 60 سنة. وتقدر نسبة العزاب بـ 65 % وهي النسبة التي يحتلها من لهم سوابق من بينهم 14 % ذوي سوابق سياسية وحوالي 86 % ذوي سوابق مدنية. يشتغل 81 % من منفذي العملية في أشغال يدوية (البناء، الدهن، النجارة، التجارة والعمل الفلاحي) ولا يشتغل بالعمل الفكري سوى شخص واحد هو “الشريف” الذي كان يعمل بالتعليم وله تكوين زيتوني. وتقدر نسبة العاطلين بحـوالي 10 %. فيما يتعلق بالانتماء الجغرافي فغالبية منفذي العملية ينتمون إلى الولايات الداخلية حيث تصل نسبتهم إلى أكثر من 78 % وتتوزع النسبة المتبقية بين الولايات الساحلية ب حوالي 10 % والعاصمة بحوالي 13 %
تبين لنا النسب المعتمدة أن أغلبية أفراد الكوماندوس المسلح هم من الشباب غير المرتبطين بعلاقات زوجية، وهو ما ساعد على تجنيدهم في حقل “العمل المسلح” في ظروف اتسمت بالهجرة إلى ليبيا بحثا عن شغل يوفر دخلا قارا بعد أن تعذر عليهم الحصول على ذلك في موطنهم الأصلي، هذا الموطن الذي لم ينل حظه بدوره من المشاريع التنموية. إن النسب المعتمدة تشير بوضوح إلى أن الغالبية العظمى من منفذي العملية هم أصيلي الولايات الداخلية التي ينتمي إليها أغلب المهاجرين إلى ليبيا.
قيادة العملية: تمركزت قيادة عملية قفصة المسلحة في أيدي شخصين اثنين هما “عز الدين الشريف” القائد السياسي و” أحمد المرغني” القائد العسكري
– “عز الدين الشريف”: أصيل مدينة قفصة، درس لمدة سنتين بالمدرسة الفرنسية العربية قبل أن يلتحق بفرع جامع الزيتونة بقفصة سنة 1948 أين أحرز على الشهادة الأهلية، ثم واصل دراسته بالجامع الأعظم حيث أحرز على شهادة التحصيل قبل أن ينتمي إلى شعبة الآداب و اللغة العربية. في سنة 1957 عمل في سلك التعليم الابتدائي بعد مشاركته في مناظرة في الغرض. شارك سنة 1962 في المحاولة الانقلابية للإطاحة بنظام الحكم مما أدى إلى سجنه 10 سنوات مع الأشغال. بعد انقضاء العقوبة بما في ذلك الفترة التكميلية عاد “الشريف” إلى سالف نشاطه المعارض فالتحق بليبيا ليجد بعض رفاقه القدامى الذين مهدوا له الطريق عبر ربطه “بمكتب الاتصال العربي”، فتوسعت دائرة نشاطه لتشمل الجزائر والبوليزاريو أين تمرس على ممارسة تهريب الأسلحة. بداية من سنة 1978 بدأ “الشريف” الإعداد لعملية قفصة صحبة رفيقه “أحمد المرغني “عبر تسريب الأسلحة إلى قفصة والإعداد البشري والمادي للعملية التي تحدد تاريخها في يوم 27 جانفي1980.
– “أحمد المرغني”: من مواليد جرجيس بالجنوب التونسي سنة 1941، زاول تعليما ابتدائيا متقلبا انتهى به إلى الانقطاع عن الدراسة والدخول في الحياة العامة بصفة مبكرة. بدأ أولى تجاربه في الهجرة سنة 1962 عندما انتقل إلى الجزائر للعمل قبل أن يتحول إلى ليبيا سنة 1971 لنفس الغرض. وقد تغير مسار حياته بعد أن احتك ببعض وجوه المعارضة وبسبب انتمائه “للجبهة القومية للقوى التقدمية التونسية “. كلف “المرغني” في أول اختبار له بتفجير مقر الحزب الحاكم في تونس والمركز الثقافي الأمريكي وذلك في شهر جوان من سنة 1972. وقد ألقي عليه القبض قبل تنفيذ العملية وحكم عليه بخمس سنوات سجنا، قضى منها أربع سنوات فقط بسبب العفو الرآسي بمناسبة ذكرى عيد الاستقلال سنة 1976. عاد بعد ذلك إلى ليبيا ليمارس نشاطه مجددا في صفوف الجبهة القومية التقدمية. ثم التحق بعد ذلك بجبهة البوليزاريو لقضاء خمسة أشهر في التدرب على الأسلحة الخفيفة، ثم انتقل إلى لبنان لتجنيد بعض التونسيين في صفوف الجبهة القومية التقدمية.
الدور الليبي:
لقد نفت السلطات الليبية أي علاقة لها بعملية قفصة عند انطلاقتها حسب تصريح وزير خارجيتها الذي جاء فيه “الجماهيرية الليبية غير متورطة بصفة مباشرة أو غير مباشرة بالأحداث الجارية بمدينة قفصة “. إلا أن ذلك مجرد موقف سياسي فرضته “العلاقات الدولية والقانون الدولي” الذي يمنع التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ثانية وتغيير نظام الحكم فيها بالقوة. إن جذور التوتر بين الجماهيرية والحكومة التونسية تعود إلى سنة 1974 تاريخ إلغاء “بورقيبة” “المعاهدة الوحدوية” بين تونس وليبيا الموقعة في 12 جانفي 1974. فقد تبنت الجماهيرية الليبية خلال تلك الفترة خطا وحدويا يقوم على خيار تحقيق فكرة الوحدة العربية بالقوة مما وضعها في موقع العداء لكثير من الأنظمة العربية التي لابد من الإطاحة بها بواسطة “لجان شعبية ثورية” تتولى مهمة إنجاز “الثورة” وتحقيق الوحدة العربية.
لا شك أن عملية قفصة لسنة 1980 كانت إحدى مخططات الجماهيرية الليبية التي لا تحتاج إلى إثبات دورها في تنظيمها عن طريق ما يعرف بـ ”المكتب العربي للاتصال” الذي وفر الدعم المادي والمعنوي واللوجستي والتغطية الإعلامية لعملية قفصة، التي لم تكن سوى نتيجة لالتقاء مصلحة النظام الليبي ومنفذي العملية الذين ينتمون إلى “الجبهة القومية التقدمية” ذات الانتماء العروبي. وهو التنظيم الذي له حسابات قديمة مع النظام البورقيبي في تونس ترجع إلى فترة تصفية الحركة اليوسفية والقضاء على المحاولة الانقلابية لسنة 1962. وهذه المصلحة ربما تكون محكومة بوحدة الخطاب الأيديولوجي القومي العربي، ذلك أن الجماهيرية الليبية كثيرا ما ادعت أنها وريثة النظام الناصري في مصر الذي يجمع على الانتماء إليه غالبية فصائل الحركة القومية العربية. فهل تحتاج ليبيا إلى تبرير موقفها في تبني هذه العملية وتوفير الدعم الكامل لمنفذيها؟
الدور الجزائري:
أصدرت السلطات الجزائرية شأنها في ذلك شأن السلطات الليبية، بيانا أكدت فيه أن حرس مراقبة الحدود لم يسجل أي تسرب لأشخاص أو لحركة مشبوهة. إلا أن “الهادي نويرة” الوزير الأول التونسي شكك في هذا الموقف معتبرا أن الحكومة الجزائرية ضالعة في أحداث قفصة. فقد استند في ذلك إلى اعترافات “عز الدين الشريف” الذي أقر بوجود علاقة تربطه بالسلطات الجزائرية وبجهاز مخابراتها، وهي العلاقة التي نسجت أثناء اشتغال “الشريف” لصالح جبهة البوليزاريو الصحراوية. يرجع هذا الموقف الجزائري المؤيد لعملية قفصة المسلحة إلى وجود جناحين داخل حزب جبهة التحرير الحاكم أحدهما ذو خلفية عروبية – إسلامية تربطه علاقات تحالف مع ليبيا.
الطرف الوحيد الذي أيد عملية قفصة المسلحة واعتبرها عملا مشروعا في مواجهة نظام الحكم في تونس هو التيار القومي العربي الناصري مجسدا في “الطلبة القوميون الوحدويون” الذين لم يكتفوا بإبراز مواقفهم المؤيدة لهذه العملية في ملصقاتهم الحائطية التي كانوا يصدرونها بالمنابر الطلابية وإنما عملوا على تنظيم بعض المظاهرات المؤيدة لما أطلقوا عليه تسمية “ثورة قفصة “.
كان ذلك بعض الفقرات المأخوذة من مقالات مختلفة تم نشرها حول احداث قفصة 1980 قمت بنسخها حتى نتمكن من تحليلها وربطها بوضعنا الحاضر.

رأينا في بعض المقالات وصف للمستوى المعيشي لأبناء الجنوب الذي كان من الاسباب الرئيسة في هذه الاحداث وعندما نقارنه بالوضع الحالي في الجنوب نرى انه لم يتحسن شيء لا بل ازداد الوضع سوءا وتجلت الفوارق الاجتماعية بين الشمال والجنوب وتأكد الجميع من ان تداول السلطة منذ الاستقلال لم يكن إلا بين سكان الشمال وحتى بعد الثورة كان الاشمئزاز والرفض واضح عندما تولت حركة النهضة الحكم وامسك البعض القليل من أبناء الجنوب مناصب مهمة في الحكومة فقلبوا لهم الامر ولم يهدأ لهم بال حتى اقتلعوهم من السلطة حيث نستنتج هنا احتكار سكان الشمال للسلطة مما يعزز  نظرة  التمييز التي يشعر بها سكان الجنوب.
1-      العوامل التي شجعت عملية قفصة 1980 ومقارنتها بالظرف الحالي

أ‌-        الدعم الخارجي:
 كان اهم دعم حينها يتمثل في النظام الليبي حيث قام بتسليح والتجهيز ووضع خطة العمل، أما بالنسبة للدعم الجزائري فالمعلومات غير دقيقة فقد قيل انه متواطئ بضغط من ليبيا وقيل أيضا انه محايد وان كل ما في الامر هو ان النظام الليبي أراد توريطه. مقارنتا بوضعنا الحالي فلا وجود أي طموحات لدول الجوار في دعم ثورة مماثلة وخاصة بعد القضاء على نظام القذافي في ليبيا وعدم اهتمام الشعوب العربية بالوحدة، لكن هناك بعض الأصوات القليلة التي حاولت إحياء روح هذه الاحداث لكنها مجرد ردة فعل لمواطنين بسطاء في لحظات غضب ليس لهم أي تنظيم سياسي أو بالأحرى ردة فعل بديهية لشعورهم بالاضطهاد والتمييز والتهميش فمثلا فيما قبل الثورة نادى بعض مشجعي فريق كرة القدم لمدينة قفصة في لحظة غضب بسبب عدم توفير لهم وسائل النقل العمومي للعودة من مدينة تونس إثر مباراة كرة قدم بــ <<يا زين العابدين اهتم بنا وإلا فالقذافي أولى بنا>> مما عجل بتوفير وسائل نقل عمومي لهم، حيث تجلى مدى خوف النظام التونسي والحكومة بمثل هذه المطالب. اما بالنسبة لمطلب وحدة المغرب العربي فلا حياة لمن تنادي.
ب‌-    المعارضة في الداخل
نرى بعد فشل أحداث قفصة مدى استنكار الأحزاب لهذه العملية ووصف من نفذوها بالمرتزقة وتشدقوا بوحدة الوطن والوطنية حتى من الجبهة القومية التقدمية ذات التوجه العروبي اليوسفي التي ينتمي لها منفذو العملية إلا الطرف الوحيد الذي أيد عملية قفصة وهو التيار القومي العربي الناصري حيث أطلقوا على العملية اسم <<ثورة قفصة>>. حاليا ومن هذه الناحية أي المعارضة في الداخل في أيامنا هذه فهي لا تفرق كثيرا عن <<الدعم الخارجي>> فلا يوجد حزب يتبنى مشاكل ومأساة أبناء الجنوب فهذه الأحزاب تسعى إلى جمع أصوات الناخبين للوصول إلى السلطة في حين ان عدد سكان الجنوب أقل بكثير من سكان الشمال حيث يتجاوز العدد مليوني نسمة بقليل ويتجلى ذلك في الانتخابات الأخيرة حيث تحصل المنصف المرزوقي على أعلى نسبة من الأصوات في كافة مدن الجنوب إلا انه لم ليستطيع الفوز بالرئاسة في تونس، فبنتيجة هذه الانتخابات يظهر وبكل نقاء اختلاف التوجهات لكل من سكان الجنوب و سكان الشمال حيث اصطفت كل مدن الجنوب وراء مرشح للرئاسة في حين اصطفت  مدن الشمال وراء رئيس آخر. لهذا لا يستقطب أبناء الجنوب اهتمام السياسيين والأحزاب السياسية.
ت‌-    الوضع الاجتماعي والاقتصادي
حسب ما جاء في مقالات بعض المؤرخين لهذه الاحداث حيث وصفوا الوضع وقتها بالتأزم الاجتماعي بسبب اختيارات تنموية فاشلة في فترة السبعينيات من القرن العشرين. حيث ظهرت البطالة المتنامية في قفصة فدفعت الى بروز وعي عمالي وثقافي في الفضاءات المنجمية والى تنامي حركة الهجرة. حيث مهدت هذه الظروف الى عملية قفصة. مُقارنتًا بوضعنا الحالي فكأن الوضع لم يتغير قيد انملة فلم يتغير شيء إلى يومنا هذا. مما يقوي فرضية استنساخ عملية قفصة 1980 مرة أخرى.
2-      رأيي الشخصي
بعد ثورة 2010 التي لم ولن أؤمن بها فهي بالنسبة لي مجرد مسرحية كوميديا حزينة. احترت لما حصل ولم أستطيع ان اتقبل ذلك لأنه معارض لكل قواعد المنطق وخاصة ان الثورة انطلقت من مدينتي سيدي بوزيد و القصرين اللذان لم يكن لهم تاريخ في النضال و التجرؤ على النظام الحاكم او مقاومة المستعمر وما زاد الطين بلة هو قيام مواطنو المدينتين بانتخاب ازلام النظام السابق مما يعزز فرضية تزييف الثورة ، فكل ما حصل أظنه انقلاب عسكري متخفي وراء مسرحية ثورة شعبية أو مخطط من دول غربية لتغيير نظام الحكم بسبب الرائحة النتنة التي فاحت لزين العابدين بن علي في مجال انتهاكه لمبادئ حقوق الانسان واستبداله بعميل جديد نضيف اليدين من هذه الناحية او من أجل التشجيع على إثارة الفوضى في بقية الدول العربية وهذا ما حصل بالتحديد.
لا يهم السبب لكن المهم ان هذه هي ثورة مزيفة تماما مثل نضال الحبيب بورقيبة المزيف الذي شرع له السلطة. فإذا نظرت إلى ما حصل قبل الثورة في الرديف وهي معتمدية تابعة لمدينة قفصة سنة 2008 وما سبق من مظاهرات في قفصة حيث لم يكن لها أي تأثير على النظام، لعرفت ان الذي حصل سنة 2010 مجرد تمثيل، انا شخصيا منذ سن الرابع عشر من عمري في سنة 1991 لم اتخلف على معظم المظاهرات في قفصة وكان أولها من اجل وحدة المغرب العربي الى سنة 2004 وكان آخرها مظاهرة طلابية قامت بقطع الطريق الرئيسية التي تمثل مدخل لمدينة قفصة وفي اليوم الذي قبله كان محاولة اقتحام مركز الولاية بقفصة حيث تم صدها بكل شراسة من قوات الامن فقد كنت قاب قوسين من عصي الامن لولا فضل الله و عنايته لكنت كبعض ضحايا الامن من الطلبة المشاركين حيث كان مركز الولاية في تلك الأيام مكان مقدس بالنسبة للحكومة ليس مثل أيامنا هذه يرتع فيها من هب و دب. بهذا أستطيع ملاحظة الفرق بين ردة الفعل للحكومة حيث حصل أكثر مما حصل في 2010 ولكن لم نرى بن على يحمل حقيبته ويغادر تونس، لم أكن في يوم من الأيام أنتمي الى أي حزب ولم يكن لي نشاط سياسي لكن كنت أرى الأمور بوضوح.  على كل حال هذا ليس موضوعنا فموضوعنا هو هل احداث قفصة 1980 من الممكن ان تحدث مرة أخرى. أرى في الوقت الحالي ان الكثير من الأمور قد تغيرت فعقلية المواطنين قد تغيرت حيث كانت مطالب الشعوب العربية سابقا تتمثل في الوحدة العربية والتضامن مع الشعب الفلسطيني في حين تغيرت النظرة الان فازدادت المبادئ القومية للشعوب العربية وحل محل المطالبة بوحدة الدول العربية المطالبة بالديمقراطية والحرية وحقوق الانسان حتى انه لم يستحي البعض فطالب بأحقية اللواط وافتخر البعض الآخر بزيارته لإسرائيل، كل هذا حصل في تونس بفضل الثورة المجيدة. هذه العوامل في الظاهر لا تساعد على عملية مماثلة لعملية قفصة 1980 لكن إذا رجعنا الى تفاصيل هذه العملية فنجد ان في يوم العملية لم يستجب أحد من سكان مدينة قفصة ولم يتضامنوا مع الثوار في حين ان تاريخ مدينة قفصة يدل على انها مركز استقطاب تاريخي لأغلب الحركات الرافضة للسلطة الحاكمة سواء كان ذلك اثناء فترة الاستعمار أو ابان فترة الحكم البورقيبي كما قال أحد المؤرخين.
هذا التخاذل لسكان مدينة قفصة لا نفسره إلا بمدى نجاح سياسة الترييف التي انتهجها الحبيب بورقيبة لمدينة قفصة حيث توجه معظم سكان الريف إلى مدينة قفصة واستقروا بها بفضل التسهيلات التي وفرها لهم بورقيبة. معظم هؤلاء الاعراب لا يهتمون الا بلقمة العيش والكسب وليس لهم مبادئ ويتسمون بالنفاق حيث مكنهم بورقيبة من مراكز مهمة في مدينة قفصة مما أدى إلى شل هذه الثورة كما قال الله في كتابه الكريم {الاعراب أشد كفرا ونفاقا}.
الحل:
في الأيام الأولى لما تسمى بثورة 2010 ضاق صدري لأيام عديدة وأنا أرى العامة يهيجون ويموجون ويكسرون حيث دبت الفوضى في كل مكان ولا تسمع الا الصياح وعامة القوم ينادون بمبادئ هم لا يفهمون منها شيء فقط يرددون كالببغاء، ثم بعد ذلك ورغم ان كل الناس لهم الحق في التكلم والمطالبة بحرية عكس ما كانوا عليه في السابق إلا ان الأمور ترجع شيءً فشيء الى سابق عهدها والسلطة بدأت تعود من جديد إلى سكان الشمال لا بل لم تبارحهم فمن وصل الى السلطة من أبناء الجنوب كانوا كالطراطير ليس لهم حول ولا قوة. وتأكد وقتها انه لا سبيل الى مشاركة هؤلاء في السلطة ولن نحصل على حقوقنا في الجنوب <<فلا ينفع العقار فيما أفسده الدهر>> فالحل لن يكون الا ببتر العضو الفاسد فلم يبقى أي مجال مع هؤلاء الاوغاد الا المطالبة بالانفصال واستقلال الجنوب والطريقة الأمثل لذلك هو المطالبة باستفتاء شعبي للانفصال، فبهداية من الله عز وجل قررت السعي في هذا الطريق منذ سنة 2011، لكي نعمل على هذا فيجب ان نعرف ما هي الطريقة التي سلكها النظام ضد عملية قفصة 1980 ونحاول التنبؤ بردة فعل الحكومة في الوقت الحالي. حيث كانت أول ردة فعل للنظام وقتها هي الاستنجاد بفرنسا فهذا طبيعي فبورقيبة عميل فرنسا وخادمها المطيع. الحبيب بورقيبة ريفي وبن علي ريفي أيضا لا فرق بينهما الا بالمستوى التعليمي لصالح بورقيبة وفرنسا تعتمد على هذا النوع من التونسيين بسبب تميزهم بالنفاق كما ذكرهم الله في كتابه الكريم {الاعراب اشد كفرا ونفاقا} ونرى أيضا ذلك في بعض الاعمال الفنية التي قام بها فنانون تونسيين عاشوا فترة الاستعمار الفرنسي وخبروا سياسة المستعمر فنضرب مثال مسرحية المار يشال عمار الذي كان فيها بطل المسرحية يمثل الحاكم البدوي الجاهل العميل لفرنسا الذي كل همه هو التشبه بالطبقة الارستقراطية المثقفة في تونس. هذه الشخصية تتطابق مع شخصية المنصف المرزوقي ايضا وتعليمه الرعواني حيث هناك تشابه بينه وبين الحبيب بورقيبة وخاصة في ولائه لفرنسا. ومن هذا نستطيع وبكل بساطة التنبؤ بأن الحكومة ستستنجد بفرنسا وأيضا من المؤكد والله اعلم سنواجه خذلان الاعراب لهذا المطلب حيث انهم أصبحوا اغلبية في مدينة قفصة هذا من جهة ومن جهة أخرى ستسعى الحكومة الى استعمال القوة والرد على هذا المطلب السلمي للاستفتاء الشعبي بالرصاص كما هي العادة لكل المطالبات التي حصلت في الجنوب. فلم يحصل في تاريخ تونس ان استجابت الحكومة لأي مطلب من مطالب أبناء الجنوب. المواجهة هنا اظنها شر لابد منه ومع كثرة الاعراب وتقلدهم معظم المناصب المهمة في مدينة قفصة وبقية مدن الجنوب وخاصة في الامن فسيكون نسبة نجاح عملية كعملية قفصة 1980 في وقتنا هذا من الصعب تحققها. لكن قيمة هذا العمل وما سيؤول اليه أبناء الجنوب من عيش رغيد ورخاء دولة الجنوب وازدهارها وانفتاح أبواب التطور والتقدم لأبناء هذه الدولة الموعودة ونبل هذه القضية وهدفها السامي سيجعل من المغامرة مغرية، فقد تعلمنا من التاريخ ان الحصول على الأشياء الثمينة عادة ما يكون صعب وبالتضحيات، فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين.

الثلاثاء، 4 يونيو 2013

آخر الرجال في تونس

لم يخلو تاريخ تونس من الإستعمار الأجنبي إلا نادرا. فنرى ذلك في السنوات الأخيرة من الإستقلال المزيف عن فرنسا حيث ان رؤساء تونس المتتالين بعد الإستقلال و هما بورقيبة و بن علي كانا عملاء لفرنسا، مما مهد  للإنفتاح الإقتصادي عليها و إتخاذ الفرنسية كلغة ثانية و التعليم باللغة الفرنسية، حيث كان من المفروض ان تكون اللغة الثانية أنقليزية مثل بقيّة دول العالم. فتاريخيّا تتالى الإستعمار على تونس فمن قبل فرنسا كان الإستعمار الإسباني و التركي بإدعاء كون الدولة العثمانية إمتداد للخلافة الإسلامية وهي لا تمد بصلة إلى الإسلام، بل كان إستعمار أجنبي بإسم الخلافة الإسلامية  لبسط النفوذ على إفريقية و البحر الأبيض المتوسط، إلا أن تونس مرّت بمرحلة تمكنت فيها من تحقيق الإستقلالية و الحكم الذاتي دون تدخل الأجنبي أو التبعية تحت حكم عميل لدولة أجنبية. ففي فترة عصيبة من تاريخ إفرقية الحفصية في القرن السادس عشر إستحكم فيها وهن الدولة الحفصية إذ تقلص نفوذ الحسن الحفصي و إحتدّ الخلاف بين الحضر و البدو و تدهور الإقتصاد، فأتاح هذا لعملاقي البحر الأبيض المتوسط (العثمانيين و الإسبان) أن يتنازعا السيطرة على تونس، حيث إحتلها العثمانيون سنة (941هـ/ 1534م) بإسم الإسلام فأثخنو القتل و الأسر في الحضر و البدو و في السنة الموالية هاجمها الإسبان بالتحريض من الحسن الحفصي فأُجْلوا العثمانيين عنها و إحتلوها فأباحها لهم الحسن الحفصي لمدة ثلاثة أيام فأثخنو القتل. فنلاحظ هنا مدى عمالة حكّام تونس للأجنبي على مرّ الزمن و مدى ميولهم للإحتلال الأجنبي سواء كان العمالة للإسبان أو تقبل العثمانيين على أساس خلافة إسلامية في حين أنهم لا يمتون لذلك في شيئ، وفي غمرة هذا الصراع ظهر آخر الرجال في تونس إلى يومنا هذا إن صحّ التعبير وهم الشابيّة الذين قاموا بالإستقلال في تونس عن طريق تأسيس أول دولة قومية تعتمد على الإسلام في تشريعاتها عاصمتها القيروان مابين سنة (941هـ/ 1535م) إلى (965هـ/ 1557م) إبتدأت عن طريق أبو مخلوف الشابي أصيل الشابة التابعة لمدينة المهدية، قام بنشر الإسلام في تونس سواء لدى البدو و الحضر إبتداءا من مدينة القيروان إلى بقيّة المدن التونسية مع التركيز على البدو حيث كانت توجد مشكلة في ترويضهم فقد  إزدحمت إفريقية بتمرد الأعراب، و إنقضاضهم على المراكز الحظارية، و السيطرة على الطرق للإغارة و السلب، وقد علق إبن أبي دينار على إيقاع أبي عمرو عثمان بهم في قوله «هؤلاء العرب (يعني الأعراب) أذاهم بالطبع مثل العقرب ولو قطع ذنبها لا يبطل لدغها و إلى زماننا (أي سنة تأليف الكتاب 1099هـ/ 1687م) نحن منهم على وجل نسأل الله أن يحسم هذه المادة بمنه » فقام الشابية بنشر الإسلام بينهم و تربيتهم تربية إسلامية ومن بعد قاموا بتوضيفهم لتأسيس أول دولة قومية في تونس تعتمد على الإسلام في تشريعاتها، وتمكنت من الإنتصار على القوى العظمى في زمانها و هم العثمانيين و الإسبان وحققوا إستقلالية تونس و تمكنوا من تحقيق تماسك بين كافة تركيبات المجتمع وقتها فقد كان يوجد إختلاف بين الحضر و البدو. ظهر نجل أبو مخلوف الشابي و هو عرفة الشابي كبطل قومي دافع عن ذاتية الأمة المتمثلة في الإسلام و العروبة فأعلن إستقلاله في القيروان و في الوسط و الجنوب الغربي و في الشمال الغربي و منطقة قسنطينية إلى جبال أوراس في بلاد سوف، و إمتد نفوذه حتى مشارف تونس، و إلتحم في حروب ضارية ضدّ الإسبان و عميلهم الحسن الحفصي و ضدّ العثمانيين فإنتصر عليهم جميعا، لقد كانوا في نضره غزاة وحّد بينهم برغم صراعهم هدف مشترك هو السيطرة على إفريقية لتميّزها بوضعية جغرافية متسمة بالإنفتاح على البحر الأبيض المتوسط من الشمال و الشرق و بإطلالها خاصة على مضيق صقلية.
النضال من أجل إستقلال إفريقية
رفع عرفة الشابي لواء القومية فألف الله به بين القلوب بعد تشتت آرائها، ووحد بين القبائل المتنافرة و إختصر المسافة بين المدينة و الريف و دعا إلى تصفية المحتلين ولو كانو مسلمين، دون أن يجد حرجا في دعوته على أساس أن الإسلام في جوهره لا يعني الولاء للأتراك. إن مذهبه الصوفي هو في حقيقة أَمره مذهب في الدين و الوطنية، فقد بناه على علوم ثلاث، علم الشريعة و علم التوحيد و علم النفس.
أدرك عرفة الشابي أن الإعتماد على الأتراك و على غيرهم من المسلمين مِنْ مَنْ لم يجمعهم قطر واحد و إحساس قطري مشترك في صورة تعرض إفريقية لهجوم إسباني وَهْم لا غناء فيه. وقد وجد الحل البديل في الإعتصام بالخصوصية التونسية، فربّى القبائل تربية دينيّة وطنية، وأيقظ الإحساس القومي، و لقنها أن الهدف من دعوته هذه هو الإطاحة بالحفصيين، و الحفاظ على إستقلال البلاد، و رد المغيرين عليها مهما تكون ديانتهم. إن إنعدام التحليل السائد في ذلك الوقت في المجتمع الإسلامي أتاح للعثمانيين أن يُفهموا ان الولاء لهم هو الولاء للإسلام نفسه، و تحت وقع الهزائم في ظل الفساد المستشري أصاب مشاعر المسلمين وهن الإستسلام للحضور العثماني، و من هذه الزاوية تعتبر دعوة عرفى الشابي دعوة تقدمية بالإطلاق خاصة إذا وضعنا في الإعتبار أن أغلب المؤلفين و المصلحين التونسيين بين القرن السادس عشر و القرن التاسع عشر و في مقدمتهم إبن أبي دينار و خير الدين ظلوا ينادون بالولاء للعثمانيين و يحظون على الخضوع لهم، لأنهم لم يفرقوا بين الوطن و الدولة العثمانية.
إن دعوة عرفة الشابي جعلته يواجه ثلاثة أعداء وهم الحسن الحفصي و جيش شارل الخامس و العثمانيين، و ليس هذا بالأمر اليسير، فإن الدولة العثمانية و دولة شارل الخامس (إسبانيا) تعتبران في ذلك العصر أعظم قوّتين تتنازعان البحر الأبيض المتوسط، و لئن تناقظت مصالحهما و إلتحمتا في حروب متواصلة على أرض إفريقية و سواحلها من أجل الظفر بها فإنهما إتفقتا في محاربة عرفة الشابي و في العمل على الإطاحة بهذه الدولة القومية التي أسسها. وبهذا تمكن عرفة الشابي من تأسيس دولة الشابية عاصمتها القيروان حافظت على إستقلالية الأراضي التونسية لمدة قصيرة من (945هـ/ 1538م) إلى (964هـ/ 1557م)  و في سنة (941هـ/ 1535م) غزا خير الدين فإحتلها و خطب بإسم السلطان سليمان القانوني (سلطان الدولة العثمانية) عندئذ سيطر الهلع على الحسن فأخذ يستحث السكان لكن بدون جدوى و في يوم 15 أوت 1535 أرسى خير الدين بحلق الواد، وفي يوم 19 أوت إحتل تونس، ففرّ الحسن و إختفى عند الأعراب و ظنّ خير الدين أن السكان سيبايعون رشيدا أخ الحسن الذي جاء معه بعد غيبة قضاها محتميا به، لكن ما بدر منهم خيّب ظنه فقد طلبوا إلى الحسن أن يعود إلى تونس لينصروه في حربه ضد خير الدين، و عاد الحسن، و في صباح 18 جانفي 1535 إحتدم الصراع في مدينة باب الجزيرة الذي إتخذه خير الدين منطلقا لهجومه و باب سويقة الذي تحصن فيه الحسن ففر و إختفى بين الأعراب، فإكتسح العثمانيون الدور، و ذبحوا كل من وجدوه فيها من الرجال و النساء و الأطفال، وقد ذهب ضحيّة هذه المذبحة الرهيبة حسب juan de Iribès  ألفان، فإستسلم الأهالي و سيطر خير الدين على الموقف. أما Roger Dessort   فيرى أن عدد قتلى مدينة تونس بلغ أكثر من ثلاث آلاف و أن عدد الجرحى كان ستمائة. و في يوم 7 أكتوبر من السنة نفسها أقام خير الدين بتونس أفراحا كبيرة دامت أربعة أيام بلياليها لإنتصار السلطان العثماني على الشاه الصفوي بإيران، وهكذا فإن فتك العثمانيين بأهل تونس و بهجتهم بإنتصارهم على الصفويين يدلان على حقيقة مواقفهم و على أن عملهم لم يكن دائما لخدمة الإسلام و إنما كان في كثير من الأحيان لمآرب حربية و سياسية و إقتصادية. و قد آلم عرفة الشابي ما إرتكبه خير الدين في تونس من عسف و قتل فأخذ يعد العدّة لخوض حرب ضده وذلك بتجنيد القبائل الموالية و الكشف لها عن حقيقة الإحتلال العثماني الذي أناخ على البلاد بسبب إنهيار الدولة الحفصية.
إن خوف عرفة الشابي من المستقبل قد حمله على إتخاذ خطوة نعتبرها حاسمة في تاريخ حركته القومية و هي بناء جيش قومي منظم قادر على فرض الإرادة الإفريقية بحد السلاح وعلى تحقيق إستقلال إفريقية المسلمة العربية، و إذا نحن وضعنا في الإعتبار عدد الذين صافحهم عرفة الشابي وهو 114 ألف حسب « الفتح المنير» أمكننا ان نتصور الأهمية القصوى لقاعدته على هذا النحو من الإتساع. فقد كوّن عرفة الشابي هذا الجيش المنظّم سنة (942هـ/ 1535م) إثر رجوعه إلى القيروان. وعندئذ بادر بإعلان الجهاد و بالإستقلال بالقيروان لتكون منطلقا لتحرير إفريقية بواسطة حلف الشابية من ردّة الحفصي و سيطرة الصليب وهيمنة الخلافة.
إستقلال القيروان
إثر وقعة الإربعاء أعلن عرفة الشابي إستقلاله بالقيروان و بمناطق القبائل الموالية له، و لم يعد منذ ذلك الوقت «بابا القيروان» فقط حسبMilan de Ariogo  ، و إنما أصبح إلى ذلك صاحب القيروان حسب إبن أبي دينار و ملكها حسب  Marmol ، فبادر الحسن لمهاجمة القيروان بإعتبارها الخطر الداهم على عرشه المهتز، و إتجه إلى القيروان إلّا أنه إنهزم أمام عرفة الشابي و رجع إلى تونس مكسورا. كان جيش عرفة الشابي مكون من أهم القبائل الموالية: الحنانشة، النمامشة، دريد، الحراكتة، بني بربار، الهمامة، أولاد سعيد. وكان جيش عرفة الشابي محكم التنضيم، صلب البناء، وكان عمر عرفة الشابي حين قاد هذه المعركة أربع و ستين عاما قضى إثنين و أربعين سنة منها في تلك التَوْعِيَة، و قد ساعده في قيادته العسكرية صفوة من أبناء الشابية في مقدمتهم أبنائه أحمد الشابي و محمد الزفزاف و إبن أخيه محمد بن أبي الطيّب الذي تولى الإمارة من بعده و قريبه محمد بنّور.
وقعة المنستير 12 نوفمبر 1540:
تمكن الحسن من إقناع الإسبان بالقتال معه ضدّ عرفة الشابي، فجمع عددا كبيرا من الأعراب و قادهم جميعا إلى حربه، و قد إنظمّ له الفيلق الإسباني المرابط بالمنستير بقيادة Alvar de Sande ، و في الطريق إلى القيروان فاجأه عرفة الشابي في مكان يتوسط المنستير و جمّال عند الوردانين و الساحلين، يبعد عن جمّال و المنستير نحو 10 كلم، و دارت حرب ضارية إستمرت يوما كاملا من تاسعة صباحا إلى الغروب فكانت الفاصلة بين الطرفين. ويقود جيش الشابية أحمد بن عرفة بدلا من والده عرفة الشابي الذي بلغ من العمر آنذاك إحد وسبعين سنة، يساعده أخوه محمد الزفزاف و عمّه محمد إبن أبي الطيب و مملوك إسباني يسمى Cachazo  و يقود الفرقة الموكونة من الأتراك و المسيحيين القدامى، المتخصصة في إستعمال الأسلحة النارية و مملوك أوروبي يسمى: Baalij. و قد تمكن جيش عرفة الشابي في هذه المعركة من الإنتصار على جيش الحسن مما جعله يهرب إلى سوسة، أما الجيش الإسباني فقد إرتدّ هو كذلك على أعقابه بعد أن قاتل بشراسة و تقهقر إلى المنستير. و حسب منشيكور فإن شارل الخامس لم يجني من حملته هذه سوى بقائه في المنستير مدّة لم تتجاوز الثمانية أشهر، و بلا شك فإن إنتصار الشابية أو بالأحرى الإنتصار التونسي حسب محمود بو على « Le Soldat Tunisien page 88»، أنقذ القيروان بصفة نهائية من الحسن الحفصي و الإسبان، و فضلا عن ثراء عرفة الشابي الذي مكنه من إعدد جيش قوي فإن إيمان جيشه بالمبادئ الروحية و القومية التي غرسها فيهم هي التي حققت له النصر على خصم خائن و مرتد و مكنته من تكوين دولة قومية دعامتها الإسلام و العروبة.
إصرار الحسن على إباحت القيروان:
سافر الحسن إلى إيطاليا لطلب النجدة من شارل الخامس بقصد القضاء على الشابية و إباحة القيروان و طرد الأتراك من الساحل الإفريقي، ثم عاد إلى تونس بعد أن جنّد ألفين من المرتزق المسيحيين بقيادة Lofredo  أصيل نابولي عسـاه يسترد عرشه الضائع، إلا أنه إنهزم أمام أحمد سلطان فقتل جيش المرتزقة إلا خمسمائة منهم فروا إلى الحامية الإسبانية بحلق الواد، و مات Lofredo  غرقا و سجن أحمد سلطان الحسن بعد سمل عينيه ثم فرّ الحسن إلى القيروان بمساعدة صهر أبي سلامة القلعي من جهة و صهر عرفة الشابي من جهة أخرى، وأقام الحسن في القيروان حتى هلك و كان يحكم القيروان آنذاك أي حوالي سنة (951هـ/ 1544م) محمد إبن ابي الطيب الشابي إبن أخ عرفى الشابي، و قد مضى وقتها على وفات عرفة الشابي حوالي عامين. فقد دخل الحسن إلى القيروان خاسئا ذليلا لاجئا لدى الشابية بعد أن أعيته الحيل لدخولها غازيا، بعد أن إستبد به الأمر إباحتها إلى الإسبان، ولقي القادة الشابية ممزق الإهاب خائر القوى دامع العينين.
وظلّ مقيما بالقيروان في حماية محمد بن أبي الطيّب الشابي قرابة الستة سنوات أي حتى سنة 1550 فرّ بعدها إلى أوروبا مرّة أخرى يطلب النجدة للظفر بعرشه الضائع، فعاد بقوة بحرية ، و في طريقه إلى المهدية لفظ أنفاسه، و كان ذلك في جويلية 1550 و هكذا كانت نهاية ملك منحل، حياته رحلة من الغناء شردتها الخيانة و أزرى بها الطمع.
الجيش تكوينه و تمويله:
إعتمدة الإمارة الشابية إعتمادا كلّيا على القبائل، و يعتقد المؤرخين أن عرفة الشابي قد سيطرة عليه فكرة تكوين هذا الجيش بعد سنة (915هـ/ 1509م) سنة إحتلال المسيحيين لبجاية، فقد إزدحمت الفترة الممتدة بين هذا التاريخ و قيامه بالثورة سنة (942هـ/ 1535م) بأحداث ووقائع لم تعرفها أرض إفريقية من قبل كما إتسعت لمواقف سياسية و حربية فرضت على عرفة الشابي أن يطبق برنامجه الذي خططه من قبل. حيث ثار أعراب أرياف القيروان في تلك الفترة على محمد الحفصي.
كان عرفة الشابي في المقدمة لأنه أراد أن ينتقم من الحفصي الذي إنتهكت ديار الإسلام في عهده دون أن يبدي حراكا، ونتيجة لذلك سجن الحفصي عرفة الشابي لمدة تسعة أشهر في تونس، ثم حين أطلق سراحه ورأى عرفة الشابي أن إفريقية مهددة بالغزو المسيحي و العثماني في ظل وهن الدولة الحفصية أصبح أكثر تصميما على القيام بهذه الخطوة و أخذ يهيّئ لها في حزم و يحض القبائل على الإستعداد لساعة الحسم، وفي سنة (941هـ/ 1534م) ظهر في الأفق عامل جديد، هو إحتلال العثمانيين لتونس، في سنة (942هـ/ 1535م) و الإحتلال المسيحي الذي أجلى العثمانيين و أذاق السكان من الويلات عند إستباحته لمدينة تونس في الحادثة التي شهرت بـ «خطرة الإربعاء» ما أطنبت المصادر في وصفه كما رفع لواء المسيحية، و عقب إسهام عرفة الشابي في التخفيف من ألام أهل تونس في خطرة الإربعاء بادر في التاريخ نفسه (942هـ/ 1535م) بتكوين جيش قومي منظم قار تكون مهمته تخليص إفريقية المسلمة العربية من رقة الإحتلال و فرض الإرادة الإفريقية بحد السلاح بإعتباره درع الذاتية القوميّة.
جنّد عرفى الشابي لهذا الجيش عددا كبيرا من شباب القبائل الخاضعة لها (خمير و نهد و ورغة و سارن و أولاد بوغانم و الفراشيش و دريد و النمامشة و الحراكتة و الذواودة و بني بربار و الهمامة و التبايل و طرود و أولاد مهلهل و أغلب أولاد سعيد و مرداس و أكثر أولاد بالليل )، وقد قضى عرفة الشابي قبل تحقيق هذا الإنجاز القومي إثنين و أربعين سنة في توعيتها و تلقينها مبادئه الروحية و الوطنية و في الوقوف بها على حقيقة الوضع في إفريقية فأخلصت له ولمبادئه و أمدته بخيرة شبابها و بالأموال حين طلب منها ذلك، و إذا نحن وضعنا في إعتبار عدد الذين صافحهم عرفة الشابي وهو مائة و أربع عشر ألفا إستطعنا أن نتصور القدر الذي يمكن أن يكون لجيش قائده يحضى بمثل هذا الإقبال. و قد إحتفظت لنا المصادر الأوروبية بعدد قوات عرفة الشابي في وقعة المنستير وهو أكثر من أربع و عشرون ألفا.
أما في مستوى القيادة فإن عرفة الشابي هو الذي قاد معركة باطن القرن برغم تقدمه في السن إذ كان في سن الرابعة و الستين، و تخلى على هذه القيادة في معركة المنستير لأنه كان في الوحد و السبعين فتولاها إبنه أحمد الشابي الذي كان من مساعديه في المعركة السابقة، وكانت تساعد القادة هيئة تتكون من أبناء الشابية في مقدمتهم محمد بن أبي الطيّب و محمد الزفزاف إبن عرفة الشابي و الطاهر عرفة و محمد بالنّور و ممن خبروا الحروب و تميزوا بالكفاءة مثل المملوك الإسباني Cachozo  الذي ساعد أحمد الشابي في القيادة. و كان على رأس كل فرقة من قبيلة رئيس منها، أم الفرقة التركية و المسيحية فقد تولى قيادتها  Sandoval ، و بهذا يتبيّن القدر الذي عليه هذا الجيش من التنضيم بالنظر إلى ما كان عليه جيش الحسن. إن طاقة ذلك الجيش الشبابية و الأيمانية و ثرائه المادي جعلا منه جيشا قويا منظما ثار لإفريقية و أذاق الحسن الحفصي و الإسبان و العثمانيين مرّ الهزائم. و هكذا كان تواجد الدولة الشابية مدّة أقل من عشرون سنة حافظ فيها الشابية على إستقلال الأراضي التونسية، إلا انه بعد تولي إبن أخ عرفة الشابي وهو محمد بن أبي الطيّب إستاء الأمر لسوء سياسته مما أعطى الشرعية لأشياخ الزوايا من منافسي الشابية مثل الغليانيين الذين راسلوا درغوث باشا و هو بمدينة طرابلس يطلبون الإغاثة. نلاحظ هنا مدى غيرة شيوخ الزواية في القيروان من الشابية حيث أن شهرة عرفة الشابي العلمية و تأكد نفوذه في بوادي إفريقية و مدنها، ومن بينها تونس، بسبب الإقبال على دروسه و إعتناق طريقته قد أثار ثائرة البعض من علماء الحاضرة و حملهم على إتخاذ مواقف ضّده، أدناها مناضرته في عقر داره لإفحامه أمام
أتباعه، و أقصاها الوشاية به لدى السلطان أبي عبد الله محمد الحفصي للقضاء عليه نهائيا، و قد أوشى به حضّي البلاط الحفصي بن محمد التونسي الملقب بالمغوش و المتوفي بمصر سنة (947هـ/ 1540م)، حيث كان المغوش كبير علماء بلاط محمد الحفصي و قد تمتع بحضوة كبيرة لديهما «علماء الحكام أو السلاطين». وبهذا يتضح المنطلق العملي للثورة التي قام بها عرفة الشابي من بعد ذلك بمنأى عن التَسَامِي و ممالات الظالمين، وذلك بالإعتماد على جهود هؤلاء المؤمنين الذين لم يكن لهم في نظر هؤلاء العلماء الحق في التعلم. و قد إعتبر شارح الطريقة أن ضرر هؤلاء العلماء أكثر من ضرر قطّاع الطرق لأنهم أرادوا قطع العامّة عن منفعتهم التي أمرهم الله بإكتسابها، و أكّد أنهم خلو من العقل و العلم الحقيقي، فعلمهم لم يتجاوز ألسنتهم و لم يشرق له نور في الجنان، لذلك علمهم رسم خيالي لا حقيقيّ، و إستدل بقول الإمام مالك: «ليس العلم بكثرة الروايات و إنما هوّ نور يلقيه الله في القلب». لم يُفقِدْ الفقهاء بموقفهم ضدّ عرفة الشابي و لا قلّصوا نفوذه و أهميته في فترة بدى لهم فيها أن ممالاة البلاط الحفصي الخائن الذي باع الوطن و الدين للإسبان أجدى لهم من مناصرة الحق و من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الدُعى إلى الكسب و النوال. ونتيجة لهذا الحقد الذي يكنه فقهاء تونس لعرفة الشابي إنتهزوا الفرصة عند تولي إبن أخيه إبن أبي الطيّب و سوء سياسته فإستباحوا القيروان للأتراك فأمدهم درغوث باشا و أطرد الشابية و نصّب على المدينة الشيخ محمد الغرياني و جعل إلى جانبه حامية تركية بقيادة شطمان بن محمد و ذلك سنة 965هـ/ 1557م. ومن القبائل التي إنقلبت على الشابية هم الحنانشة و أولاد سعيد و طرود حيث أنها كانت ظهيرا لمن هو الأقوى و لمن يدفع أكثر «الأعراب أشد كفرا و نفاقا و الأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله و الله عليم حكيم». أما بالنسبة لقبيلة النمامشة و بنو بربار و الهمامة فضلوا على ولائهم للشابية «و من الأعراب من يؤمن بالله و اليوم الآخر». وخاصة فقد أمعن الهمامة في محبة عرفة الشابي فقد حاربوا معه و خضعوا لسلطانه و إنصرفت فطناسة للتغني به في شعره الشعبي منذ ذلك التاريخ و لم ينفكوا يفعلون ذلك حتى اليوم.
إنتقال القيادة إلى محمد الزفزاف:
بعد أن سقطت الإمارة الشابية سنة 965هـ/ 1557م آلت القيادة إلى محمد الزفزاف إبن عرفة الشابي الذي لقبه الإسبان بلوثر الإفريقي، إختار محمد الزفزاف أن يفر بفلول جيشه و أسرته إلى الجنوب الغربي فطارده الجيش العثماني و أتباع الزاوية الغريانية حتى عين النشوع بحامة الجريد. ثم إتخذ المنطقة الممتدة من توزر إلى مشارف بسكرة مسرحا لنشاطه. و بالرغم أن تلميذه و خليفته بدر الدين الشابي المنقطع للتصوف حاول أن يثنيه عن الثورة فإنه لم يصغ إليه و آثر أن يخوضها حربا ضاريّة ضد الحفصيين و العثمانيين معا. و قد قال هنه Alson de la Gueva  في رسالته أنه يعتبر لدى معظم أتباعه كلوثر Luther  لدى المسيحيين، و إصرارا منه على تأكيد هذا المعنى إعتبروه لوثر إفريقية «المصدر: منشيكور: القيروان  الشابية، ص 169. Luther Martin  1583-1556» و هو مجدد مسيحي بألمانيا، ثار ضدّ تسامح الذي ظهر لدى البابا في بيعه لصكوك الغفران، وناصر الفلاحين في ألمانيا، ترجم الإنجيل إلى الألمانية، «راجع بشأنه، فريدريك أنجر: حرب الفلاحين في ألمانيا. تعريب محمد أبي حضور، دمشق، دون تاريخ » ومعنى هذه التسمية أن محمد الزفزاف بتدينه و بمناهظته و محاربته للخلافة العثمانية و الإعتماد على الأعراب في تلك الفترة يشبه معاصره «لوثر» رجل الدين في ثورته على سلطة البابا الروحيّة و إنتصاره للمعدمين في بلاده. وحسب هذه الوثيقة فإن سقوط القيروان سنة 965هـ/1557م لم يفقد الشابية نفوذهم في داخل البلاد بواسطة القبائل التابعة لهم، و أكثر من ذلك فقد إستطاع محمد الزفزاف القضاء على الحامية التركية ببسكرة المتحالفة مع أحمد سلطان الحفصي، وذلك سنة 968هـ / 1560م، ثم إتجه إلى توزر التي كان قد إحتلها منذ سنوات السلطان الحفصي، فإستولى عليها دون عناء لأن حامية السلطان الحفصي قد آثرت الفرار، ثم زحف إلى قفصة فضمّها إلى نفوذه و ثم أصبحت توزر أو قفصة عاصمة للطريقة الشابية بدلا من القيروان المفقودة. عند إقامة محمد الزفزاف في قفصة عرض عليه نائبه محمد بنّور الهجوم على القيروان لإستعادتها فرفض لضنه بإستحالة تحقيق النصر آنذاك «كتاب الفتح المنير ص 110» و في سنة 985هـ/ 1577م توفيّ محمد الزفزاف قرب المكناسي فنقل إلى القيروان و دفن بجانب والده طبقا لوصيته.
إنتقل محمد بنّور و من معه إلى قلعة تيزقرارين التي أوصاهم محمد الزفزاف بالإحتماء بها، بيد أن هذا لم يفد محمد بنّور فإن الأتراك جدّوا في تعقبه و ملاحقته إلى أن أسروه وقتلوه وبعثوا برأسه إلى القائد التركي كما أن عبد الصمد إتخذ منها بالرغم ما حصل لأبيه معقلا حصينا إستعمله منطلقا لشن حروبه و غاراته على الأتراك فتمكن من تخضيد شوكتهم ومن تكوين إمارة بدوية في القسم الغربي لإفريقية دامت أكثر من مائة سنة «راجع، علي الشابيز علامة الشابية بالأتراك العثمانيين. في المجلة التاريخة المغربية تونس، جانفي 1980، عدد 17 و 18 ص 76-77» و من المفيد التذكير بأن المقاومة الشابية للإحتلال العثماني تواصلت بعد سقوط الإمارة الشابية ثلاث وعشرون و مئة سنة، شهدت فيها أرض إفريقية من ظلم العثمانيين وعسفهم ما لم تشهده أرض إسلامية عداها، و لعهد قريب كانت النسوة الشابيات يقلن حين يفلت منهنّ الأمر «كيّة في الترك» كما أثّر على الشابية زرايتهم بتركيا و إرتياحهم لضعفها حين أدركها الوهن في قولهم «تركيا أُم بخنوق»، ومن ثم فإن القول بأن العثمانيين  لم يعسفوا بتونس كما عسفوا بالمشرق قول لا طائل من ورائه . ومن سبب قلة المراجع التاريخية للشابين هو أن بعد سقوط إمارتهم قد أثنى على تلك التآليف وجعلها أثر بعد عين، و بين أيدينا و ثيقة تدل على أن دُور الشابية بالقيروان قد أنتهبت من طرف القرويين و سكان الضواحي عند هروب الشابية إثر الهزيمة، ونرى أن قادة الزاوية الغريانية و أتباعها هم الذين قاموا بهذا النهب لعميق حقدهم على الشابية الذين إستأثروا من دونهم لمدة طويلة بالسلطة و الثراء في القيروان، فهم قد حرضوا عليهم درغوث أولا و نهبوا دورهم ثانيا، و تبين أنهم نهبو من بين ما نهبوا المكتبة الشابيّة و تأليف أقطاي الطريقة منذ نشأتها و هم أحمد بن مخلوف و سيدي عرفة الشابي أبو الفضل و محمد الزفزاف و عبد العزيز و عبد الحفيظ و بدر الدين، و عمدوا إلى إتلافها حتى لا يبقى لذويها ذكر في القيروان.
أحفاد الشابيّة في تونس اليوم:
يعتبر الشيخ أحمد بن مخلوف الشابي مؤسس الطريقة الشابيّة في القرن التاسع هجري أهم شخصية صوفية رفعت لواء التصوف الفلسفي في إفريقيا، فأمعن في نشر مذهبه الصوفي في تونس و القيروان و قابس و توزر و نفزاوة و سواها و بين القبائل التونسية و الجزائرية و بذلك كوّن قوّة حقيقية إستطاع من بعده إبنه عرفة الشابي تكوين الدولة الشابيّة بالقيروان سنة 942هـ/ 1535م و يعتبر أبو مخلوف الشابي جد الشابيّن «الشابية» بتوزر و قفصة و تستور و بغيرها من المدن التونسية و الجزائرية و تختلف درجة نسبتهم إليه قربا و بعدا بين كونه الجد الحادي عشر أو الثاني عشر تبعا لإختلاف الأعمار «راجع، مواطن الشابيّة في علي الشابي: المصادر جديدة لدراسة تاريخ الشابيّة، في المجلة التاريخية المغربية، عدد 13 و 14، تونس، يناير 1979 ص 67 - 77» و يلقب أحفاد الشابية اليوم بلقب الشابي في مدينة توزر ومن أحفادهم نذكر الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي و يلقب أحفاد محمد الزفزاف في مدينة قفصة اليوم بألقاب المفتي، تاج، بالقاضي، حشايشي و يسمون عامة بالآجريين امتد بهم الإستقرار بمدينة قفصة عبر عدة أجيال متواصلة على مدى أكثر من 400 سنة و قد تقلدوا أبرز المراكز في قفصة كالإفتاء و القضاء كما تدل عليه ألقابهم، كما تحدثت عنهم الكاتبة الفرنسية Lucette Valensi  في كتابها الشهير Fallah tunisiens: l’économie rural et la vie de la compagne a 18 ème et 19 ème siècle ، ويرجع نسب الشابية بصفة عامة إلى الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود و هو أحد العبادلة السبعة الذين قدموا بالإسلام إلى تونس في سنة 40 للهجرة. حسب ما ذكره علي الشابي في كتابه عن أبو مخلوف الشابي «أصيل الشابة».

السُلُّم الزمني لقيام الإمارة الشابية


شجرة العائلة لمؤسسي الإمارة الشابيّة



المراجع
الكُتُبْ
اتحاف أهل الزمان:19.
أحمد إبن مخلوف (كتاب): 24، 37.
ألفية إبن مالك: 25.
أم البراهين: 93.
التاريخ الباشي: 19.
تاريخ العدواني: 19.
تحفت الحبيب: 47، 48، 92.
تكميل الصلحاء و الأعيان: 19.
جامع كرامات الأولياء: 11، 32، 47، 49.
الحلل السندسية: 19.
الدر الفائق: 7، 27، 38، 58, 59، 60، 89، 149، 158، 160.
الرد على الشابيّة: 21، 60، 94.
شذرات الذهب: 10، 32، 47، 48.
شرح تائية ابن حبيب: 48.
شرح المختصر الصغير: 59.
شفاء الأبدان: 47.
عنوان الأريب: 116.
غربة الإسلام: 92.
الفتح المنير: 7، 19، 25، 27، 31-34، 37، 38، 39، 42، 44، 46، 47، 51، 52، 59، 60، 61، 64، 68، 73، 81، 86، 94، 110، 111، 117، 118، 143، 145، 149، 150، 152، 158.
مجلي الحزن: 48، 92.
المقرب المفيد: 27، 35، 53، 56، 86، 149.
مناقب التباسي: 24، 25، 33.
مناقب محمد المسعود الشابي: 58.
المونس: 9، 32، 46، 126.
نزهة الانظار: 19.
نسمات الاسحار: 48.
النوازل: 35.

المصادر و المراجع

أ – العربية
المخطوطات
التواتي (محمد)
§         الهادي رشيد في حل المقفل الشديد من كلام أهل التوحيد.
حمّودة بن عبد العزيز
§         التاريخ الباشي (يدار الكتب الوطنية تونس، رقم 1794).
الشابي (أحمد بن مخلوف)
§         مجموع الفضائل.
الشابي (علي بن محمد مسعود)
§         مناقب محمد مسعود الشابي
الشابي (محمد مسعود)
§         الدر الفائق
§         شرح المختصر الصغير
§         الفتح المنير في التعريف بالطريقة الشابيّة و ما ربّو به الفقير.
§         المقرّب المفيد في فروض العين التوحيد، مجلّدان.
المغربي (علي بن ميمون)
§         مناقب أحمد الغوث التبّاسي التوزري (مكتبة حسن حسني عبد الوّهاب بدار الكتب الوطنية، رقم 181110).
المطبوعات
الأزهري (محمد البشير ظافر)
§         اليواقيت الثمينة في أعيان مذهب عالم المدينة، القاهرة، 1325هـ
الإمام (راشد)
§         سياسة حمّودة باشا في تونس (1782 - 1814)، 1980.
أنجلر (فردريك)
§         حرب الفلاحين في ألمانيا، تعريب محمد أبو الخضّور، دمشق، دون تاريخ.
البشروش (توفيق)
§         القومية القُطْرية في تونس قبيل الحماية، قي الذاتية العربية بين الوحدة و التنوّع، تونس، 1979.
بيل (ألفريد)
§         تاريخ الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي، تعريب عبد الرحمان بدوي، بن غازي، 1969.
التّميمي (عبد الجليل)
§         الخلفيّة الدينية للصراع الإسباني العثماني، في المجلة التاريخية المغريبية، عدد 10 و 11 ، تونس جانفي 1978.
جوليان (شارل أندري)
§         تاريخ إفريقيا الشمالية، تعريب محمد مزالي و البشير بن سلامة، تونس، 1969.
ابن خلدون
§         مقدمة إبن خلدون، تحقيق علي عبد الواحد وافي، ط ثانية، القاهرة، 1967.
إبن أبي دينار
§         المؤنس في أخبار إفريقية و تونس، تونس 1967.
السراج (الوزير)
§         الحلل السندسيّة، تحقيق محمد الحبيب الهيلة، تونس، 1970.
الشابي (علي)
§         العرف بالله أحمد بن مخلوف الشابي و فلسفته الصوفية، تونس 1979.
§         العلاقة بين الشابية و الأتراك العثمانيين في المجلة التاريخية المغريبّة عدد 17 و18، تونس، جانفي 1980.
شاطر (خليفة)
§         بروز الهوية القومية في تونس، في الذاتية العربية بين الوحدة و التنوّع، تونس، 1979.
الشريف (محمد الهادي)
§         تاريخ تونس، تعريب محمد الشاوش و محمد بو عجينة، تونس 1980.
إبن أبي ضياف (أحمد)
§         اتحاف أهل الزمان، تونس 1963.
ابن عبد السلام أحمد
§         الوطنية في التواريخ التونسية بين القرنيين 17 و 19، في الذاتيّة العربية بين الوحدة و التنوّع، تونس، 1979.
ابن العماد الحنبلي
§         شذرات الذّهب، القاهرة، 1951.
العوامر (ابراهيم محمد ساسي)
§         الصّروف في تاريخ الصحراء وسوف، تونس 1977.
ابن فرحون (ابراهيم بن علي)
§         الدّيباج المذهب، ط أولى، مصر، 1329هـ.
الكناني (محمد بن صالح)
§         تكميل الصلحاء و الأعيان لمعالم الإيمان، تحقيق و تعليق محمد العنّابي، تونس، 1970.
المسعودي (الباجي)
§         الخلاصة النقية، ط الثانية، تونس، 1323هـ.
النّبهاني (يوسف إبن إسماعيل)
§         جامع كرامات الأولياء، مصر، دون تاريخ.
ب - الأجنبيّة
L’AFRICAIN (Léon:
§  Description de L’afrique, trad. A, Epaulard, Paris (VI) 1956.
AL-ADOINI
§  Kitab Al-Adoini, trad. L. Feraud, in Recueil des notices et mémoires de la société archéologique de la province  de Constantine, Constantine, 1869.
BACHROUCH (Taoufik) :
§  Formation sociale barbaresque et pouvoir a Tunis au XII siècle, Tunis, 1977.
BOUALI (Mahmoud)
§  La sédition permanente, (Tome 1), Tunis 1972.
§  Le soldat tunisien, trois mille ans de gloire, Tunis 1975.
FERAUD (Louis) :
§  Les Harar seigneurs des Hanencha, in, revue africaine – Alger, 1874, 1879/
GUIGA (Tahar) :
§  Dorgouth Rais, Tunis, 1974.
MARMOL :
§  Description de l’Afrique, trad. Perrot d’ablancourt, Paris, 1667.
MONCHICOURT  (Charles):
§  Kairouan et les Chabbia, Tunis 1939.
§  Une relation inédite sur la prise de Tunis par les Tures en 1574, in les cahiers de Tunisie n° 65, 66 et 67, Tunis 1969.
PRIMAUDAIE (Elie) :
§  Documents inédits sur l’histoire de l’ocupation espaguole en Afrique, in, Revue africaine, 1875 -  1877.